ملتقى النخبة

ملتقى النخبة (http://www.m-alnokhbah.com/vb/)
-   مقالات صحفية 2011-2019 (http://www.m-alnokhbah.com/vb/f131/)
-   -   عليك أن تفرغ الأمكنة بانتهاء الصلاحية (http://www.m-alnokhbah.com/vb/t10144/)

SALMAN 18 / 05 / 2020 04 : 11 AM

عليك أن تفرغ الأمكنة بانتهاء الصلاحية
 
عليك أن تفرغ الأمكنة بانتهاء الصلاحية
نجوى هاشم
تم ق ن
جريدة الرياض | عليك أن تفرغ الأمكنة بانتهاء الصلاحية

كنت أقلب في الجوال كعادتي بين حين و آخر للتخلص من أرقام وقتية , انتهت صلاحية استخدامها, وجدت نفسي فجأة أتصفح كل الأرقام , رغم أن هذا التصفح لم يمر عليه سوى أيام قليلة , أطلت النظر , والتدقيق ( والتصحيح ) بمعنى أدق .

عبْرت على أرقام غادر أصحابها دائرتي , أو غادروا ولا تزال أرقامهم باقية , كالمنازل التي ظلت باسم أصحابها رغم أنهم غادروها .

توقفت أمامها وبدأت في التخلص بدم بارد كما يقال , بدأت في المسح دون أن أُعطي نفسي فرصة للعودة إلى الوراء , واستذكار بعض ملامح من غادروا .

مسحت بهدوء شديد , دون أي رغبة في التذكر , أو استرداد بعض تفاصيل الوجوه التي غابت .

مسحت أسماء وأرقام لأشخاص لا يزالوا على قيد الحياة , لكن لم نعد نتشارك معهم صياغة مفردات حياة مشتركة كأصدقاء , أو معارف , أو أكثر من ذلك .

تخلصت من أسماء وأرقام لم تعد تتشابك معنا في شيء ولم نعد نقتنص معها أي لحظة لقاء , أو نحلم بأن نقتسم معاً وطأة الفرح والحزن .أسماء وأرقام لأشخاص تقاطعت معهم الطرق , وسُدت المفارق , وغابت كل الأسباب التي تحتم علينا أن نظل معهم .

مسحتُ أرقام لأشخاص وتملكني استغراب شديد تمثّل في كيفية تواجد مثل هؤلاء في حياتنا ذات يوم .

وكيف كنا نتعامل معهم من منطلق البقاء تحت ضغط ظروف معينة .

تتخلص من أرقام وأسماء في الهاتف , أو في الأجندة بصورة رمزية هي في الأصل تخلص من حقبة الزمن الذي عبر , هي في الأصل تخلص من حقبة هامة من الحياة , وجزء خاص من العمر بالإرادة متى قررنا ذلك .

والتخلص من الأحياء ومغادرتهم براحة وهدوء أقل وأهون من التخلص من أرقام أحبه وأصدقاء غابوا عن الحياة وغادروها إلى الدار الأبقى , هؤلاء قد نتخلص من أسمائهم مجبرين , ومن منطلق أننا لا بد أن نؤمن أنهم قد غادروا فعلاً , رغم إن رقم إحدى صديقاتي , وإحدى المعارف لا يزالان في هاتفي , ولم أستطع التخلص منهما , ربما للذكريات الجميلة التي ربطتنا , وتلك الحقبة الإنسانية التي تعايشنا من خلالها معاً .

من يموت مثلاً بذكرياته الجميلة يظل معنا عالقاً في دواخلنا , ملاحقاً لنا كلما تذكرنا طيبته وإنسانيته .

ومن يموت وهو على قيد الحياة , أو لم يعد يعنينا شأنه , لن نطيل الوقوف أمام اسمه , أو رقمه , لكن قد تظل ذكرياته الطيبة إن كانت كذلك هناك في إحدى الزوايا المغلقة في داخلنا , لكن بشخصه , واسمه ,ورقمه , علينا أن نغيبّه .

بين آن وآخر علينا أن نقوم بشيء من المراجعة , والتصحيح لمفردات تعاملاتنا وتفاصيل حياتنا .

علينا أن ننظر إلى الأمام قليلاً , وعلينا أن نلتفت إلى الخلف أيضاً , لنتأكد من أننا مغادرين فعلاً بالإرادة , وأن ما نتخلص منه سواء كأن أرقام , أو أشخاص , أو تواريخ أو أوراق وهي من أهم ما ينبغي تدميره أحياناً , هو نهاية لحقبة حياتيه معينة , هو إغلاق لملفات ظلت مفتوحة دون أسباب منطقية , أو واقعية .

وعلينا أن نؤمن أننا نمارس الطبيعي والمفروض من محاولة الانسحاب من أراضي لم تعد تعنينا , ولا يعني أيضاً أننا نبحث عن كسب أرض جديدة , بل إن هذه الممارسة المستحقة لكل منا لا تعني محواً للذكريات التي مُسحت قبل أن نقوم بمسح الأرقام , ولا تعني أن هذا المتخلص متمرد , أو غير واقعي , ولكنها تعني أيضاً أن لا بد بين فترة وأخرى أن نسقط كثيراً من الذكريات ونبقي تلك الأمكنة التي أخليت لغيرها من الذكريات ..


الساعة الآن 26 : 02 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.5.2 TranZ By Almuhajir
ملتقى النخبة 2005